مُتعة تربية الأبناء

حينما يُطرح موضوع التربية يتحدث البعض عن أولادهم وكأنهم مصائب تمشي على الأرض، ويوجهون اللوم إلى (الجيل الجديد) الذي (لا يستمع إلى أحد ولا يحترم أحداً) وينسى هؤلاء أنّ الإنسان يولد على الفطرة كما قال الرسول محمّد (ص): « كلّ مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أوينصرانه أو يمجسانه » رواه البخاري، والتربية هي التي ترسخ الفطرة السليمة عند الطفل أو تشوهها. إنّ الطفل لا يولد عنيداً أو كاذباً أو مؤذياً أو كسولاً، كما أنّه لا يولد صادقاً أو نشيطاً أو عطوفاً أو مثابراً، وإنما هي صفات يكتسبها الطفل من خلال البيئة التي ينشأ فيها وأهم مكونات هذه البيئة هما الوالدان والطريقة التي يتعاملان بها مع الطفل. إنّ العامل الأوّل والأهم لنجاح الآباء في التأثير على أبنائهم هو أن يتحمل الآباء مسؤولية هذا النجاح ولا يلقونها على الأبناء. فالأب الذي يعتبر ابنه هو المسؤول عن كونه عنيداً سيكتفي بلوم ابنه وسيفقد القدرة على التأثير في سلوكه. أما الأب الذي يعتبر نفسه مسؤولاً عن كون ابنه عنيداً فسيحاول فهم ابنه بشكل أفضل وسيراجع طبيعة العلاقة مع ابنه وطريقة تعامله مع وسيطور ويبدل من تلك الطريقة حتى يصل إلى النتيجة التي يرجوها. بمقدار ما يتحمل الآباء المسؤولية عن سلوك أبنائهم ستتطور قدرتهم على التأثير في هذا السلوك وبمقدار ما يتخلون عن مسؤوليتهم ويكتفون بإلقاء اللوم على الأبناء سيفقدون قدرتهم على التأثير فيهم.

لذلك ربط الرسول (ص) بين نجاح الرعاية (سواء كانت رعاية الأب لابنه أو الأستاذ لطلابه أو المدير لموظفية أو الحاكم لشعبه) وتحمل المسؤولية فقال: « كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ».

حينما يتعامل الإنسان مع أمر يجهله يصيبه الشقاء والعنت فمثلاً إذا حاول إنسان قيادة السيارة وهو لا يعرف شيئاً عن مكان المكبح أو ناقل السرعة ستكون تلك التجربة كابوساً بالنسبة إليه، أما إذا انضم إلى دورة يتعلم من خلال مكونات السيارة وكيفية القيادة فستتحول قيادة السيارة من كابوس مرعب إلى تجربة ممتعة. إنّ هذا الأمر ينطبق على أي عمل يقوم به الإنسان عن علم ودراية بما في ذلك تربية الأولاد. من الغريب أنّ أحدنا لا يلجأ إلى قيادة السيارة قبل أن يتعلم القيادة، ويأخذ شهادة تدل على كفاءته، في حين أنّ الكثير من الرجال والنساء يقدمون على عمل أخطر وأدق بكثير من قيادة السيارة وهو الزواج وإنجاب الأولاد وتربيتهم دون أن يقرؤوا كتاباً واحداً أو يحضروا محاضرة واحدة لها علاقة بالتربية!!

إنّ كثيراً من الآباء والأُمّهات يحملون ممارسات تربوية خاطئة تعلموها من آبائهم وأمهاتهم ويطبقونها على أولادهم دون مراجعتها وعرضها على ميزان العلم والدين، وإنني أرجو أن تساهم المبادئ التالية في تحويل العملية التربوية من طريق شاق مليء بالعقبات إلى رحلة رائعة مليئة بالحب والتفاهم.

 

1- لا تنعت طفلك بصفات سلبية:

إنّ الصورة الذهنية التي يكوّنها الطفل عن نفسه تتشكل في السنوات الأولى من حياته من خلال الأوصاف التي يسمعها ممن حوله من الكبار وخصوصاً من والديه، فإذا ترددت على مسمعيه الصفات السلبية ستتحول هذه الصفات إلى هوية له وسيحملها معه طوال حياته، أما إذا وصفه والداه بالصفات الإيجابية فسيشجعه ذلك على اكتساب هذه الصفات، وسيحملها معه طوال حياته أيضاً فمثلاً إذا قصر الولد في دراسته وسمع والديه ويصفانه بأنّه كسول ويرددان هذا الوصف على مسمعه صباح مساء ستصبح نظرته إلى نفسه سلبية (أنا كسول ولن أنجح مهما فعلت) أما إذا أخبره والداه بأنّه قادر على التفوق، ويستطيع أن يبذل مزيداً من الجهد في الدراسة، فستصبح نظرته إلى نفسه إيجابية (أنا قادر على التفوق ولكن يجب أن أجتهد أكثر) وليس المقصود هنا أن يبالغ الآباء في مدح أولادهم وينعتونهم بصفات لا توجد فيهم، وإنما المقصود ألّا يوجهوا نقدهم إلى ذات الطفل (أنت مؤذٍ – أنت كذاب) وإنما إلى التصرف الذي قام به الطفل (لقد تأذت أختك من هذا الفعل – أنت لم تخبرني الحقيقة عندما قلت كذا) إن توجيه النقد إلى الفعل الذي قام به الطفل بدلاً من توجيه النقد إليه سيعطيه فرصة لكي يراجع تصرفاته، وسيمنحه ثقة بنفسه وبقدرته على الارتقاء وتجاوز سلبياته وأخطائه.

 

2- علِّم طفلك تحمل المسؤولية:

عندما يصطدم الطفل في مجتمعنا بالكرسي ويبكي نقوم بترضيته بضرب ذلك الكرسي، وكأنّه هو الذي صدمه!! إنّ هذا التصرف اللامنطقي يعبر عن إحدى المشاكل الثقافية التي نعاني منها، وهي مشكلة عدم تحمل المسؤولية وإلقاء اللوم على الآخر حتى لو كان الآخر كرسياً جامداً لا يتحرك. إنّ علاج هذه المشكلة يبدأ منذ الطفولة بأن نعلّم الطفل كيف يتحمل مسؤولية مشاعره وتصرفاته. فإذا سمعناه مثلاً يقول: لقد دفعني صديقي إلى ضربه، يجب أن نعلمه كيف يقول: أنا غضبت من صديقي لأنّه شتمني وضربته. وبعد أن نعلّم الطفل تحمل المسؤولية عن مشاعره وتصرفاته نستطيع أن نساعده على اللجوء إلى خيارات أفضل.. ففي المثال السابق مثلاً يمكن أن نسأل الطفل: ماذا كان باستطاعتك أن تفعل عندما شتمك صديقك غير أن تضربه؟ قد يجيب الطفل: كان باستطاعتي أن أشتمه.. أو أن أسأله لماذا شتمتني.. أو ألّا أرد عليه.. أو أن أشكوه إلى والده.. وهنا نستطيع أن ندخل في حوار مع الطفل حول كلّ خيار من هذه الخيارات، وما هي سلبياته وإيجابياته؟ وأن نربط هذه الخيارات بالمبادئ والقيم التي نريد تنشئة الطفل عليها، إلى أن نصل إلى الخيار الأفضل، وهكذا سيتعلم الطفل أنّ باستطاعته أن يختار ردود أفعاله وأن يتحكم في تصرفاته.

 

3- أثن على طفلك عندما يقوم بعمل جيِّد:

اعتاد بعض الآباء على ذم أولادهم عندما يخطئون لكنهم لا يوجهون لهم المدح والثناء عندما يحسنون صنعاً ظناً منهم أنّ من واجب الأبناء أن يقوموا بالأعمال الجيدة وأنّ عليهم أن يقوموا بها دون أن ينتظروا مدحاً أو ثناء من أحد. إنّ من أكثر الأمور التي تشجع الطفل على القيام بالأعمال الجيدة هو الثناء عليه وإبداء الإعجاب بما يقوم به دون مبالغة في الإطراء.

 

4- علِّم طفلك التفاؤل:

حدِّث طفلك عن نجاحاتك في هذه الحياة وعن قصص نجاح الآخرين وعن الذين أخفقوا ثمّ نجحوا نتيجة لتفاؤلهم وثقتهم بأنفسهم. علم طفلك أنّ الصبر والمثابرة والتفاؤل تزيل أكبر العقبات من وجه الإنسان وتوصله إلى ما يريد من أهداف.

 

5- علِّم طفلك أنّ الفشل هو فرصة للتعلُّم:

عندما يفشل البعض يبدؤون بندب حظهم أو جلد ذواتهم، في حين يستفيد آخرون من فشلهم ويتخذون منه مهمازاً للنجاح. يجب أن نعلّم أطفالنا ألا ينكسروا أمام الفشل وأن يتخذوه فرصة للنمو والتعلم فإذا دخل الطفل في منافسة رياضية وفشل في الفوز يجب أن نبين له كيف يستفيد من هذا الفشل في معرفة نقاط ضعفه وفي تطوير نفسه من أجل المنافسة القادمة..

 

6- تعاطف مع طفلك وعلِّمه التعاطف مع الآخرين:

التعاطف هو الاهتمام بمشاعر الآخرين وتفهم هذه المشاعر، فإذا وجدنا الطفل حزيناً لأنّ سمكته المفضلة ماتت يجب أن نحترم حزنه ونفسح له المجال ليتحدث عن مشاعره لا أن نقول له: « إنها مجرد سمكة وغداً سأجلب لك واحدة أخرى! ».

عندما يرى الطفل والده وهو يتعاطف معه ومع والدته ومع إخوته سيتعلم بالقدوة التعاطف مع الناس، وسيكتسب مهارة الاهتمام بالآخرين ومراعاة مشاعرهم وستساعده هذه المهارة عندما يكبر على أن يكون شخصاً محبوباً وقيادياً ومؤثراً.

 

7- اسأل طفلك عن رأيه وعلمه كيف يقول (لا) بأدب واحترام:

(ما رأيك يا أحمد فيما سنفعله هذه الليلة هل تفضل الذهاب إلى السوق أم زيارة عمتك؟) عندما يُسأل الطفل عن رأيه سيفكر ويحاور وسينمي ذلك قدرته على المحاكمة ويشعره بكيانه واستقلاليته. يعتقد البعض أنّ التربية الصحيحة تقتضي إسكات الطفل عندما يتكلم وأنّ الطفل المؤدب هو الطفل الذي لا يعترض أبداً ولا يسأل ولا يناقش. يجب ألّا نخلط بين طلب الطاعة وكم الأفواه! يجب أن نمنح أطفالنا حق إبداء الرأي ولو كان مخالفاً لرأينا، ما دام ذلك يتم في حدود الأدب واللياقة. إننا نغرس في مجتمعنا بذور الاستبداد وإلغاء لآخر أو بذور التسامح وقبول الآخر بحسب الطريقة التي نعامل بها أبناءنا!

 

المصدر: كتاب الذكاء العاطفي في الأسرة

ساهم في نشر هذا المقال لتعم الفائدة..Share on Facebook0Share on Google+0Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn0